العرب والديمقراطية

                                                                محاضرة :ادوار حشوة

 

الديمقراطية في التعريف المبسط هي حكم الشعب . إن حكم الشعب يمكن أن يأخذ صوراً متعددة في الحياة السياسية في العالم . لا توجد صيغة جامدة للديمقراطية ولا هي وصفة جاءتنا من الغرب ، هي صيغة للتعبير عن إرادة الناس تكون أقرب إلى مصالحهم وأقرب إلى رضاهم . كل شعب يستطيع أن يصنع ديمقراطيته .. ولكن في إطار تحقيق هذه الإرادة العامة لا في الالتفاف على مضمونها ولا في تزوير محتواها . معرفة الإرادة العامة للشعب هو شيء استراتيجي في الديمقراطية ، أما وسائل تحقيق هذا الهدف فيمكن أن تتبدل وتختلف ولكن لا يمكن أن تقفز عليه .

نحن العرب .. انطلاقاً من الجزيرة العربية والهجرات التي خرجت منها الشام وإلى ما بين النهرين وشمال إفريقيا ، كنا عشائر تعيش حياة سياسية تقوم على مبدأ الزعامة .  مبدأ الزعامة هذا وصلت إليه العشائر من خلال المصالح ، فالزعيم هو القائد الشجاع الذي يستطيع أن يدافع عنها ويمكن أن تكون الزعامة امتداداً لزعامة سابقة بالنسب .

في كلا العشيرة أو القبيلة لا يَنتخب الناس الزعيم عن طريق الأفراد فهناك ناخبون ثانويون هم (العُقّال) أو أرباب البيوت القوية في العشيرة .

ليس كل فرد يَنتخب فقط نخبة متميزة وقوية ومطاعة تفعل وتستحق ذلك . وهذه النخبة يمكن أن تضم شيوخ العائلات.

 انتقل العرب من العدد الفردي إلى العدد النوعي الذي هو الأقل والأقدر في رأيهم على تحقيق المصلحة العامة .

عاشت هذه الصيغة مدة طويلة وأثبتت قدرتها على ضبط المجتمع العربي والدفاع عنه .

طريقة الانتخاب هذه هي نتاج الحياة البدوية البسيطة وليس لها آليات وشروط معقدة وتتم بطريقة المبايعة العلنية .

يبايع العقّال في العشيرة شخصاً على الطاعة لزعامته في الحرب والسلم وليس من الضروري أن يكون ذلك بالإجماع الذي قد يأتي لاحقاً حين تتوضح رغبة الأكثرية فتقوم الأقلية بإقرار الإجماع والموافقة عليه منضمة إلى الأكثرية الذي ينقاد إليها الجميع . يصبح الزعيم مطاعاً ولكن طاعته ليست مطلقة ففي الأزمات والحروب تدعى الهيئة الناخبة التي هي العقّال إلى الاجتماع لتشارك في صنع القرار على شكل حوار اتفقت الأعراب على تسميته بالشورى في الرأي مع البيوت والعائلات . وحين جاء الإسلام منطلقاً من قلب هذه العشائر والقبائل احترم كثيراً هذه الحقائق وطوّرها باتجاه الرسالة السمحاء واعتمد الشورى وأخذها من الحياة القبلية ولكن حدّدها بالعامل الديني. احترم الإسلام التعدديات الموجودة واعتبرها جزءاً من عملية الخلق الإلهي " إنا خلقناكم قبائلاً وعشائراً لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم " . لا توجد في الإسلام أفضليات للعشائر والأنساب إلا عبر التقوى . هذا الكريم في القبيلة والعشيرة وفي كل التعدديات هو الأكثر في التقوى والإيمان . انطلاقاً من هذا المفهوم وبعد أن امتد الإسلام إلى ما وراء العرب وجدنا في الأدبيات الإسلامية تطوراً جديداً هو " لا فرق بين عربي وأعجمي إلا بالتقوى " .استبدل الإسلام زعامة النسب العشائري بزعامة التقوى فنقل العرب من الحياة العشائرية إلى الحياة الدينية التي يكون فيها للإفراد الحق في أن يكونوا متساوين وأن يكونوا أفضل من كل زعامة موجودة إذا كانوا أكثر إيماناً وتقوى . اخترق الإسلام الصيغ العشائرية التي أهملت دور الأفراد لصالح العقّال فأحدث تبديلاً وأعطى الأفراد حقوقاً لم تكن متوفرة ونقَلهم من تابعين للزعماء إلى تابعين لله . وبسبب هذا الانتقال صار بإمكان أي مؤمن لا على التحديد العائلي أو القبلي أن يقول لعمر ابن الخطاب : ( والله يا عمر لو رأينا فيك اعوجاجاً لقوّمناه بحد سيوفنا ) .

أتوقف عند شرط التقوى فهو ليس في ممارسة الشعائر من صلاة وصوم بل هو مفهوم واسع يمتد إلى حُسْن الجوار والأخلاق وكل ما يرضي الله في التعامل مع الناس ( عامل الناس كما تحب أن يعاملوك ) ، وفي المسيحية : (كما تريدون أن يفعل الناس بكم افعلوا أنتم بهم أيضاً) . وهكذا صارت التقوى شرطا على الحكام أنفسهم لتكون طاعتهم واجبة .

تقول الآية في القرآن الكريم : " أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم " . كانت هذه الآية من أكثر الآيات إثارة للجدل والاجتهاد فالحكام تمسكوا بالنص الحرفي ليأخذوا طاعة مساوية للطاعة الواجبة لله والرسول وهذا ما اتفق على تسميته بالحق الإلهي المقدس للحكام . وبالمقابل اجتهدت المعتزلة والتي تمثل حركة العقل وكل القوى المعارضة معها ، أن هذه الطاعة ليست مطلقة وإن الأخذ بظاهر النص دون مضمونه يخالف المبادئ العامة للشريعة ولذلك لا طاعة لحاكم فاجر لا يتقي الله في شعبه ، والحاكم تكون طاعته واجبة ما أطاع الله والرسول ولا طاعة مستقلة له عنهما أبداً .

كل الحكام العرب منذ فجر التاريخ تذرعوا بهذا النص ليفرضوا طغيانهم على الناس ، ونشأت على هامش هذه الحاجة السلطوية مذاهب دينية تبرر ذلك كالمرجئة التي قالت بأن الطاعة للحاكم واجبة ولو كان فاسقاً شريراً وبلا تقوى لأن الله هو الذي اختاره وحسابه يكون عند الله في الآخرة .

والحكام العرب لم يهتموا ولا تقيدوا كثيراً بشرط التقوى ما عدا القلائل منهم واهتموا دائماً بالسلطة على حساب التقوى .

من التاريخ أن أبا جعفر المنصور عيّن والياً على مصر وهو يحيى بن داوود الخرسي ولم يكن من الصالحين الأتقياء وكان قاسياً وشرهاً للمال ، وحين راجع المنصور وفد من العلماء في الأمر قال لهم : إن ما تقولونه صحيح من وجهة نظر دينكم ، ولكن من وجهة نظري كحاكم غير صحيح والوالي هذا رجل مناسب وضروري ، فلما سألوه التفسير قال لهم : هذا الرجل يخافني ولا يخاف الله .. وفهم الوفد أن التقوى في الشريعة لم تعد من شروط كل الحكام ! اعتدى المنصور على ضابط (التقوى) وشهدنا اعتداءاً مستمراً على هذا الضابط من أغلب الحكام في التاريخ العربي امتداداً إلى العصر الحديث حيث تفاقم الأمر كثيراً وصار الذين لا يخافون الله سلعة مطلوبة وضرورية للحكام العرب كلهم .كل حاكم عربي اليوم يحيط نفسه بعدد من هؤلاء ليأمن وليقمع خصومه بدون رحمة ، وعلى أيدي هؤلاء الذين لا يخافون الله ولا يعرفونه ولديهم استعداد لارتكاب المجازر نشأ مجتمع القمع والقهر العربي . وفيما عدا الفترة الراشدية وبعد أن انتقلت السلطة من الخلفاء الراشدين إلى الملوك الخلفاء فعادت عملياً روح العشيرة وعاد النسب العائلي وفقد شرط التقوى وضرورته وفقدت الشورى حضورها ولم يبق من المرحلة الراشدية غير اسم الخلافة لكي يتسول به الحكام الملوك السلطة الدينية على الأتباع كحق إلهي مقدس ( المال مالي وسلطتي من الله ) فأين المبارزون ؟

عاد الحكم العربي عشائرياً عائلياً وانتصرت العشيرة على الإسلام واستثمر الحكام العرب الإسلام استثماراً سيئاً وجعلوه غطاء لاستبدادهم بعيداً عن شرطي التقوى والشورى . في البلاد المتطورة اليوم يأخذ الحاكم شرعيته من صناديق الاقتراع ، وفي العشيرة يأخذ شرعيته من العقّال ، أما الحاكم العربي اليوم فيأخذ شرعيته من الله مباشرة ولا يرضى بأي واسطة بينه وبين الخالق وصار عملياً نصف إلـه !

تحت هذه العناوين الكثيرة والمشابهة ومن مذهب الإرجاء إلى التمسك بالنص الحرفي للآية "أطيعوا الله والرسول وأولي الأمر منكم " دون النظر إلى مضمونها صارت السلطة ملكية عشائرية أولاً ، ثم لاحقاً صارت استبدادية مطلقة لم ينتخبها أحد ولا يحاسبها أحد غير الله . على هذا المخزون التاريخي والتراثي كيف يمكن إقامة الديمقراطية في المجتمع العربي ؟

بعد سقوط الدولة العثمانية قامت في المنطقة العربية جمهوريات تأثّرت بأوروبا ولكن في التطبيق بقيت هذه الجمهوريات تحمل معالم الحكم الملكي وتنطوي على حنين دائم للحكم الملكي الاستبدادي ، وعملياً كل الجمهوريات العربية تحولت إلى ملكيات تحت اليافطة الجمهورية لأن مبدأ تداول السلطة غير موجود . أخذت الأنظمة العربية من الديمقراطية الشكل الظاهري كالانتخاب ونظام المجالس ولكن في التطبيق تم تفريغ هذا الشكل من المضمون وتحول الانتخاب الديمقراطي إلى التعيين بالانتخاب وتحولت المجالس إلى ساحات للنفاق وإلى أصابع مرفوعة بالدعاء والموافقة ... وصار عندنا مخزون كبير في أصول التزوير والتلاعب بالإرادة العامة للناس . وهكذا طار المضمون الديمقراطي كما طار في القديم شرط التقوى في الحكم الإسلامي !

الآن ما هو مستقبل الديمقراطية في المجتمع العربي ؟

والسؤال الأهم هو التالي : هل تصلح الديمقراطية للمجتمع العربي ؟

البعض يرى أن الديمقراطية لا تصلح للمجتمع العربي والدليل على ذلك أنهم أجهزوا على الشورى وعلى شرط التقوى وحوّلوا جميع جمهورياتهم إلى ملكيات تحت اليافطة الجمهورية وأنهم برعوا في تزوير الانتخابات وتلاعبوا بالإرادة العامة . هؤلاء يدّعون أن العرب فرديّون ولا يرتاحون لحكم جماعة منتخبة تتوزع فيما بينها الصلاحيات وتشارك في صنع القرار ويفضلون صيغة الزعيم الفرد المطلق الصلاحية . بعد أحداث 11أيلول في أميركا ذهب الرئيس مبارك بعيداً في التحليل فاعتبر أن الأنظمة الديكتاتورية العربية وقوانين الطوارئ فيها هي ضرورية لمقاومة الإرهاب ...

هؤلاء وأمثالهم في الساحة العربية يرون أن المجتمع العربي لا يحتمل إلا أحد طريقين : إما حكم الناس استناداً إلى المقدس الديني أو الحكم الديكتاتوري لذلك يستبعدون الديمقراطية ويعتبرون الحكم الديكتاتوري منحة من الله .

الأنظمة الديكتاتورية العربية صارت بعد قيام أميركا بتطبيق قوانين الطوارئ بعد أحداث 11/9/2002 تقول أن أميركا وكل العالم استعار من عندنا قوانين الطوارئ لأننا كنـا على حق! وفات هذه الأنظمة أن الناس ليسوا أغبياء فهناك فرق كبير بين طوارئ تطبّق لمدة محدودة وبسبب حدث معين وبين طوارئ أبدية غليظة على العقل والقلب . أحد المنظّرين قال أن الإنسان العربي يحن دائماً إلى الحكم القوي ولا يحب حاكماً وديعاً لا يجلده فالعلاقة بين الحاكم والجلاّد متجذّرة في الوجدان العربي وهذا الحنين هو امتداد لروح العشيرة .

على الجانب الآخر الديني يعتقدون أن الشكل الأول لدولة الإسلام هو وحده الصالح للمجتمع العربي والديمقراطية بدعة أوربية مستوردة وأن ضابط ( الشورى ) يكفي لمنع الاستبداد ولسماع الرأي الآخر مع أن هذا الضابط لم يطبق أبداً وبقي نظرياً . أهمل هؤلاء التطور ، وتجاوزوا عامل الزمن وكون ما أنجزه العالم من حضارة وعلوم من حق الإنسانية كلها ثم إن الديمقراطية هي نتاج العلم لا نتاج الأديان ولا القارات لأنها سابقة عليها منذ اليونان . فإن تخويف الناس وتطفيشهم من الديمقراطية لا يهدف إلا لاستمرار مجتمع القمع والاستبداد .

المجتمع العربي اليوم ذاهب لا محالة إلى انقسام حاد بين الذين يريدون دولة دينية وفق النموذج الذي تم في أوائل القرن السادس الميلادي وبين الذين يريدون دولة على النمط العلمي الحديث ويريدون ديمقراطية يتداول من خلالها الناس السلطة ويشاركون فيها كما هو الحال في دول العالم المتطورة . إن الواقع الحالي للنظام العربي لا ينتسب إلى أحد هذين الشكلين فمن صفات النظام العربي ومبادئه : أنه لكي تكون حاكماً لا صورة حاكم ولكي لا تتقيد بمؤسسات تعرقل أعمالك يجب قبل كل شيء أن تكون مهاباً . ليس مهماً أن تكون محبوباً ولا ضرورة أن يحبك الناس ولا ضرورة لأن تمتلك مواصفات السَّلَف الصالح ، يكفي أن تكون جباراً عنيفاً جلاداً يحيط بك أتباع لا يحللون ولا يحرِّمون ولا يتوقفون عمد المبادئ والقيم والأديان لتحتفظ بعرشك وسلطتك . الهيبة تأتيك بالطاعة وبالمؤيدين والمنافقين وهذه الهيبة تقوّي شرعيتك بمواجهة الذين يفكرون يوماً بانتهاكها .حين تكون مهاباً فأنت بالضرورة ستكون محبوباً لأن الناس اعتادوا على موالاة القوي وفي أعماقهم لا يحبون الضعيف من الحكام .

صناعة الحكم في الشرق هي صناعة الأقوياء وكما أن الزعيم في العشيرة يجب أن يكون قوياً لكي يكون مطاعاً فإن الحاكم العربي يجب أن يكون كذلك . لهذه الأسباب والأوضاع فإن الديمقراطية الدستورية أصبحت صعبة المنال لأنها تنبت في غير أرضها وتواجه رأياً عاماً لا يحب إلا أصحاب القرار من المستبدين وهذا رأي أعداء الديمقراطية.  هذه هي المشكلة .. كيف يمكن تجاوز هذه الحالة الموروثة من حاكم فرد وزعيم عشيرة وملك مستبد إلى حاكم دستوري يختاره الناس ويعزلونه بإرادتهم عن طريق الاقتراع الحر . كل حركات العقل في التاريخ العربي أبيدت ونجحت صناعة الحكم المطلق والمهاب وسقطت كل أشكال الشورى في الإسلام وكل الجمهوريات الديمقراطية تحولت إلى ملكيات . فكيف يمكن الانتقال إلى الديمقراطية ودولة المؤسسات ؟ وما هي الوسائل للوصول إلى شكل من الحكم يحترم التراث ولا يتناقض مع حركة العقل ويسمح بتداول حر للسلطة ؟

وكما أرى لا بد من بنية تحتية للديمقراطية لا نضطر في غيابها إلى اغتيال أي شكل ديمقراطي وهذه البنية هي :

1- إعادة النظر بالتربية السياسية :

جميع أحزاب الساحة العربية لم تهتم بالتربية السياسية وكل حزب كان ولا يزال يدّرس منتسبيه أن لديه الحقيقة الكاملة وأن الآخرين إما في الباطل أو مع الاستعمار .  هذا الفرز الشديد القسوة هو المسؤول عن تخريج أجيال من الفاشيين الذين تعلّموا في أحزابهم كيف يتعصبون لحزبهم وبرامجهم وحين يمسكون بالسلطة يطبقون قناعاتهم في وحدة الحقيقة في أحزابهم فيعكسون ذلك على الرأي الآخر إرهاباً وحذفاً . على الأحزاب أن تبدل طريقتها هذه وأن تعلّم المنتسبين إليها أن في كل حزب أو حركة أجزاء من الحقيقة لا الحقيقة المطلقة ولا مانع من أن تقول لأتباعها أن لديها الجزء الأكبر وذلك لكي تؤسس في نفوس أتباعها روح القبول بالرأي الآخر . لا يمكن بناء الديمقراطية بدون الاعتراف بالتعددية وبالحوار معها لذلك يجب أن مسيرة احترام الرأي الآخر وحقّه في الوجود والحرية من المدرسة الحزبية لمنع أي إمكانية لتحول هذه الأحزاب إلى مدارس لتخريج الفاشيين والمستبدين .

2- العمل بالوسائل السياسية :

لا يمكن تصور الديمقراطية في أي بلد بدون اتحادها بالوسائل السياسية كل جنوح للعنف والانقلاب والاغتيال خارج عن الديمقراطية التي تعتمد الحوار والإقناع وتحتكم للتصويت . الوسائل السياسية هي أداة العمل في الأحزاب وحين ترفض هذه الأحزاب العنف وتعتمد الوسائل السياسية في نضالها السياسي فإنها تساعد كثيراً في بناء الديمقراطية وديمومتها .

إن الذين لا يعملون بالوسائل السياسية ينشرون الكره والتعصب ويدمرون الوحدة الوطنية ويجعلون الديمقراطية بعيدة المنال ويعطون كل المبررات لأي حكم قمعي أن يلغي الحريات دفاعاً عن المجتمع ولا نحصد خيراً للبلد أبداً .

3- التعددية السياسية والولاء الوطني :

في أي بلد يكون فيه تعدديات دينية أو طائفية أو عنصرية لا يمكن تطبيق قاعدة واحدة لأن باقي التعدديات ستشعر بالقهر فحين لا يكون الوطن للجميع لا يكون الجميع للوطن لذلك يجب أن يكون هناك قاسم مشترك يمكن تطبيقه على الجميع دون أن يخل بمبادئ المساواة . في الديمقراطيات الحديثة هذا القاسم المشترك هو الولاء الوطني . لكل إنسان الحق في أن يعتز بدينه وطائفته وعنصره ولكن الولاء هو للوطن . نعطي الناس حريتهم ونأخذ منهم الولاء الوطني . هذا القاسم المشترك يسمح بأن يكون الدين محترماً وأن يكون مسألة شخصية . أما التعصب فهو مرض لا ينتسب إلى أي دين أو مذهب لأن الإنسان يمكن أن يكون مؤمناً دون أن يكون متعصباً فالتعصب ليس من شروط الإيمان . لذلك يقف القانون في الديمقراطيات ضد العنصرية والتعصب ويدرّس الأمران للتلاميذ على أنهما من العيوب الاجتماعية ويردعهما القانون .

4- الديمقراطية والاختصاص :

إن المجال الذي تعمل فيه وعليه الديمقراطية هو المجال السياسي وفي هذا المجال تستعمل أدوات هذا المجال وهي الوسائل السياسية وحدها . لذلك ولكي تقوم ديمقراطية صحيحة فإن توزيع الاختصاصات على مختلف التعدديات يصبح حاجة حقيقية لكي لا تكون هناك فوضى تضر بالعملية الديمقراطية وتعطل حرية التعبير عن الإرادة العامة . في الديمقراطية رجال السياسة يعملون في الحقل السياسي ورجال الدين في الحقل الديني ولا مصلحة أبداً في الخلط أو التداخل بينهما . رجال الدين مكانهم المعابد ورجال السياسة مكانهم الأحزاب . لا يحق لرجال الدين أن يعملوا في السياسة ولا لرجال السياسة أن يستغلوا الدين أو يستخدمونه في نشاطهم السياسي ستاراً . هذا الفصل بين المجالين يمكن عدم مراعاته في الكوارث والغزو الأجنبي حيث يتّحد الديني بالسياسي في عملية شاملة وموحدة للدفاع عن الوطن . في الاتحاد السوفياتي وأثناء الغزو الألماني اتحد الحزب الشيوعي مع الكنيسة من أجل الدفاع عن الوطن على ما بينهما من اختلاف وتباعد وفي فلسطين نشهد هذا الاتحاد . إن دمج الديني بالسياسي في غير هذه الظروف يؤدي إلى حلول المقدس الديني محل الاقتراع وهو الأساس في النظام الديمقراطي ويستحيل بعدها وجود تداول للسلطة . هذا الخلط بين السياسة والدين يقودنا إلى استبداد جديد بحيث ننتقل من الاستبداد السياسي إلى الاستبداد الديني ونخسر الديمقراطية وحرية الرأي والحق في تداول السلطة عن طريق التصويت الحر . ليس من المصلحة أبداً أن ينقسم المجتمع بين من يريد دولة دينية وبين من يريد دولة ديمقراطية فمثل هذا الصراع هو نتيجة للخلط في الاختصاص بين الدين والسياسة وهو صراع مدمّر . التيارات الدينية المعاصرة ليست من صنع الاستعمار بل هي من صنع أخطاء الأنظمة العربية وأحزابها التي فشلت في تحرير فلسطين وفشلت في الوحدة العربية وفشلت في تحقيق العدالة الاجتماعية وأنتجت حالة قمعية استباحت بسببها الحريات ..

هذه التيارات قدّمت نفسها بديلاً وتسترت بالدين لتجمع حولها الأنصار وحين جوبهت هذه التيارات بالعنف كان أمراً كارثياً وتصاعدت لأن المطلوب هو أن تصلح الأنظمة العربية نفسها وأن تفتح نوافذ الحرية وأن تذهب إلى العدل الاجتماعي بصدق وأن تتوحد بمواجهة العدوان الخارجي ومن هذا الطريق وحده يمكن هزيمة الهجمة المتخلفة .. بالديمقراطية نهزم التطرف أما العنف فسيزيد الأمور تعقيداً ولن نحصل على السلام الاجتماعي .. بدون أن يصلح اليسار القومي والعربي نفسه فإن هذه التيارات ستستولي على الشارع وأن تنشر المفاهيم القديمة على مجتمع القرن الواحد والعشرين وحين تمسك بالسلطة فإنها ستعلق المشانق لمخالفيها لأن الديمقراطية ليست هدفها بل السلطة . وهكذا سوف ننتقل من الاستبداد القومي أو اليساري إلى الاستبداد الديني ونظل نبحث عن نسمة الحرية بلا جدوى . وفي ظل الأوضاع الراهنة حيث حط المستعمرون بجيوشهم في العراق واحتلوه ومعهم مخطط كامل لاحتلال كل شرقي المتوسط وتفكيك جغرافية بلدانه وتقسيمها ويرفعون شعار مقاومة الإرهاب وشعار الديمقراطية فإن علينا أن نعرّي هذا المخطط وأن نفرق بين ما هو إرهاب وما هو مقاومة مشروعة للاحتلال وأن نذهب بشجاعة إلى الديمقراطية ليس لتلبية لمزاعم المحتلين بل بفعل الحاجة الداخلية لتحقيق سلام اجتماعي يمكن بناء وحدة وطنية صلبة عليه تكون هي قاعدة النضال ضد الغزاة .

الأميركيون لا يدعون للديمقراطية إيماناً منهم بها فهي عندهم مثل أي بضاعة تخضع لاقتصاد السوق فإذا كانت في مصلحتهم رفعوا لها الرايات وإذا كانت ضدهم جاءوا بالجنرالات للإجهاز عليها . المسألة بسيطة ، الحكومات العسكرية الديكتاتورية التي نشرها الأميركيون لمقاومة المد الشيوعي هي التي أجهزت على الديمقراطية وحولت الشعوب إلى رعايا ودجنت كل فكر ورأي وتركت للطبقة الجديدة أن تستبيح الاقتصاد وأن تقضي على الطبقة الوسطى التي هي قاعدة الديمقراطية فانقسم المجتمع العربي إلى طبقتين ، طبقة السلطة التي تملك السلطة والمال وتتحكم بالاقتصاد وباقي الشعب في الطبقة الأخرى فقيراً وعاطلاً عن العمل .

هذا الانقسام الحاد وغير الطبيعي سينفجر طبيعياً والذين يستغلون الدين أقدر على استغلال الطبقة الفقيرة التي اعتادت اللجوء إلى الله بمواجهة الفقر والظلم وهكذا ولدت من رحم هذا الانقسام الحركات الدينية المتطرفة التي استولت على شعارات الأحزاب القومية والتقدمية بمواجهة المستعمرين والصهاينة ،وطرحت نفسها بديلاً ودعت إلى الجهاد وتكفير كل العالم . لذلك وبدلاً من أن يلعب الخارج الاستعماري هذه الورقة يجب أن نلعبها نحن ذاتياً لا كمطلب خارجي بل كحاجة داخلية للوصول إلى الوحدة الوطنية وترتيب البيت العربي الداخلي لمواجهة الاحتلالات القادمة بدلاً من أن تكون في خدمتها . ورقة العمل الوطني أو الميثاق الوطني المطلوب يمكن أن يتضمن أسساً تقوم عليها وحدة الجماعة والديمقراطية وهذه الأسس الوطنية هي :

1-                  مبدأ تداول السلطة قاعدة أساسية في الديمقراطية التي تقوم على انتخابات حرة لا يحذف منها أحد ولا يمنع ما دام يعمل بالوسائل السياسية .

2-                  رجال الدين مكانهم المعابد وهم فيها أحرار ومحترمون .

3-                  رجال السياسة مكانهم الأحزاب وهم فيها أحرار ومحترمون .

4-                  لا يجوز لرجال الدين العمل في السياسة ولا لرجال السياسة استغلال الدين في العمل السياسي .

5-                  لكل مواطن الحق في أن يعتز بدينه وطائفته ومذهبه وعنصره ولكن الولاء هو للوطن أولاًً .

6-                  القضاء مستقل والعمل السياسي فيه ممنوع .

7-                  الجيش هو جيش الشعب والعمل السياسي فيه محدود بالدور القومي للقوات المسلحة عبر مجلس خاص ينسق مع السلطة السياسية في القضايا الكبرى لا باعتباره قوة بل لأنه قطاع وطني وهام .

8-                  الأحكام العرفية لا تطبق إلا في الحرب الفعلية والكوارث وما عدا ذلك يخضع الجميع لسيادة القانون والقضاء .

مثل هذا الميثاق الوطني يوحد الشعب ويدعم عملية التحرير ولا يؤخرها ويوحد الشعب للمقاومة حين يتقدم الاحتلال إلى بلدنا فلا يجدنا أدياناً وطوائفاً بل يجدنا شعباً موحداً قادراً على هزيمته وترحيله وفي هذا الإطار فإن الفرق بين ديمقراطية مطلوبة لتأمين الاستقرار للخارج الاستعماري وبين ديمقراطية مطلوبة للوحدة الوطنية كبير جداً وفي الخيار نحن مع دولة نصنعها ونحبّها ومع ديمقراطية تتولد من وحدتنا لا ديمقراطية يفرضها علينا الاستعمار وليس أمامنا متسع طويل للاختيار . فمـاذا نختـــار ؟

هذا هو الواقع للديمقراطية في المجتمع العربي وهذه هي التحديات التي تواجه العاملين من أجلها وتلك هي بعض الأفكار المساعدة على صعود الديمقراطية وعلى بقائها ومثل هذه الأفكار ليست مفروضة على أحد ومن المفيد والضروري أن يدور الحوار حولها فقد يدفع الحوار إلى أفكار أفضل وما يهمنا ليس تسويق أفكار محددة والدفاع عنها بل في الوصول إلى حلول يشارك فيها أكبر عدد من المفكرين والعاملين في الحقل السياسي من أجل تحصين العملية الديمقراطية وحمايتها من هجمات المستبدين الذين يريدون الاستبداد السياسي أو الاستبداد الديني ولا يريدون الحرية أبداً .

هذه المحاضرة إذن هي دفعة باتجاه هذا الحوار لا تدعي الكمال ولا تدعو إلى فرض الآراء وكل حالة تنسجم مع العقل والمصلحة يجب الانتقال إليها والمهم أن لا نتجاهل المشاكل بل نذهب إليها بكل الشجاعة والصفاء الوطني لكي تنتصر الديمقراطية ..

 وسوف تنتصر وسوف تنتصر .

 

                                                                                                  ادوار حشوة